الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

307

تفسير روح البيان

من الدنيا وفي الحديث من كانت نيته الآخرة جمع اللّه شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت نيته الدنيا فرق اللّه عليه امره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب اللّه له وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ من مزيدة للاستغراق اى ما له نصيب ما في الآخرة إذ كانت همته مقصورة على الدنيا ولكل امرئ ما نوى فيكون محروما من ثواب الآخرة بالكلية وقال الامام الراغب ان الإنسان في دنياه حارث وعمله حرثه ودنياه محرثه ووقت الموت وقت حصاده والآخرة بيدره ولا يحصد الا ما زرعه ولا يكيل الا ما حصده ( حكى ) أن رجلا ببلخ امر عبده ان يزرع حنطة فزرع شعيرا فرآه وقت الحصاد وسأله فقال العبد زرعت شعيرا على ظن أن ينبت حنطة فقال مولاه يا أحمق هل رأيت أحدا زرع شعيرا فحصد حنطة فقال العبد فكيف تعصى أنت وترجو رحمته وتغتر بالأماني ولا تعمل العمل الصالح از رباط تن چو بگذشتى دكر معموره نيست * زاد راهى بر نميدارى أزين منزل چرا وكما أن في البيد رمكيا لا وموازين وأمناء وحفاظا وشهودا كذلك في الآخرة مثل ذلك وكما أن للبيدر تذرية وتمييزا بين النقاوة والحطام كذلك في الآخرة تمييز بين الحسنى والآثام فمن عمل لآخرته بورك له في كيله ووزنه وجعل له منه زادا للأبد ومن عمل لدنياه خاب سعيه وبطل عمله فاعمال الدنيا كشجرة الخلاف بل كالدفلى والحنظل في الربيع يرى غض الأوراق حتى إذا جاء حين الحصاد لم ينل طائلا وإذا حضر مجتناه في البيدر لم يفد نائلا ومثل اعمال الآخرة كشجرة الكرم والنخل المستقبح المنظر في الشتاء فإذا حان وقت القطاف والاجتناء افادتك زادا وادخرت عدة وعتادا ولما كانت زهرات الدنيا رائقة الظاهر خبيثة الباطن نهى اللّه تعالى عن الاغترار بها فقال ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى فالقذر قذر وان كان في ظرف من الذهب فالعاقل لا يتناوله وفي التأويلات النجمية من كان يريد حرث الآخرة بجهده وسعيه نزد له في حرثه بهدايتنا وتوفيق مزيد طاعتنا وصفاء الأحوال في المعارف بعنايتنا اليوم ونزيده في الآخرة قربة ومكانة ورفعة في الدرجات وشفاعة الأصدقاء والقرابات ومن كان يريد حرث الدنيا مكتفيا به نؤته منها اى من آفات حب الدنيا من عمى القلب وبكمه وصممه وسفهه والحجب التي تتولد منها الأخلاق الذميمة النفسانية والأوصاف الرديئة الشيطانية والصفات السبعية والبهيمية الحيوانية وماله في الآخرة من نصيب اى في الأوصاف الروحانية والأخلاق الربانية وفي عرائس البيان حرث الآخرة مشاهدته ووصاله وقربه وهذا للعارفين وحرث الدنيا الكرامات الظاهرة ومن شغلته الكرامات احتجب بها عن الحق وما يريد من حرث الدنيا فهو معرفة اللّه ومحبته وخدمته والا فلا يزن الكون عند أهل المعرفة ذرة قال بعضهم في هذه الآية من عمل للّه محبة له لا طلبا للجزاء صغر عنده كل شئ دون اللّه ولا يطلب حرث الدنيا ولا حرث الآخرة بل يطلب اللّه عن الدنيا والآخرة وقال سهل حرث الدنيا القناعة وحرث الآخرة الرضى وقال أيضا حرث الآخرة القناعة في الدنيا والمغفرة في الآخرة والرضى من اللّه في كل الأحوال وحرث الدنيا قضاء الوطر منها والجمع منها والافتخار بها ومن كان بهذه الصفة فما له في الآخرة من نصيب قال